القديسون

في أواخر القرن الرابع للمسيح أيّ نحو 370م وفي مدينة قورش الجبليَّة، على مسافة سبعين كيلومتراً شمالي غرب حلب، لهج سكان المنطقة بسيرة ناسك معاصر إسمه مارون
. عُرف هذا القدِّيس بالتكرُّس الكامل لله في حياة نسكيَّة قاسية: لقد اختطَّ لنفسه طريقاً جديداً، وفتح، للرَّاغبين في التقشُّف، باب النسك في العراء، مُفتَرِشاً الأرض، مُلتَحِفاً السماء، يُقاسي برد الشتاء وحرَّ الصيف على حدٍّ سواء. قال عنه مؤرِّخ حياته الوحيد، وهو في الوقت ذاته أسقف أبرشيَّة قورش، الجبليَّة النائية: "لم يقتصر مارون على الأعمال النسكيَّة المعتادة، بل زاد عليها ما ابتكرته حكمته جمعاً لغنى الحكمة الكاملة. لقد قصد جبلاً وكرَّس لله الهيكل الوثنيّ المخصَّص منذ القديم لعبادة الضلال، صارفاً أيَّامه ولياليه تحت قبَّة السماء...". فالقدِّيس مارون إِذاً هو الرائد والمؤسِّس الأوّل لطريقة النسك في الهواء الطلق، الطريقة الأقسى والأصلب التي سوف يأخذ بها، فيما بعد، القدِّيس سمعان العامودي. صلابة مع الذات، إِقترنت بمحبَّة وَغيرة وليونة مع الغير: "فكانت الحمَّى تخمد بظلِّ بركته، والأبالسة تنهزم، والأمراض على اختلاف أجناسها تشفى جميعها بعلاجٍ واحدٍ منه هو الصلاة... ولم يكن يقتصر على مداواة أمراض الجسد، بل كان يعالج النفوس أيضاً بالأدوية التي تلائمها: يشفي هذا من البخل، وذاك من الغضب، ويُعلِّم هذا طرق العفاف، وذاك مبادئ العدالة

..." تكرُّسٌ كلِّيٌّ لله، صلابة مع الذات، وعطف على الغير، صفات أذاعت خبر قداسته واجتذبت إِليه من التلاميذ رجالاً ونساءً، ولم تمضِ مدَّة حتَّى غدا أكثر نسَّاك المنطقة من تلامذته، وَلَمَّا وصل الأسقف الشاب "تيودوريه" ليتسلَّم الأبرشيَّة سنة 423 م، أفادنا أنَّ مارون – الذي كان قد توفي حوالي سنة 415 م – "هو الذي غرس لله هذا البستان المزدهر في أنحاء المنطقة قاطبةً...".